
شَهْرُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الشهُوْر
إن خطبة النبي في استقبال شهر رمضان غنية بمضامينها العميقة ومفاهيمها الكبرى، فقد احتلت هذه الخطبة مكانة عالية في نفوس المؤمنين لأنها العمدة في معرفة شهر الله وما ينبغي فعله وتركه في هذا الشهر العظيم، وهذا ما يدفع بنا نحو الوقوف على كل فقرة من فقرات تلك الخطبة، ويحثنا على التأمل الملي فيها لنستنتج منها ما أمكن استخراجه من لآلئها وكنوزها، فإن كل كلمة وردت فيها تمثل في حياة المسلم كنزاً ثميناً.
قال (ص): شهر هو عند الله أفضل الشهور أيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعات:
فلننظر إلى ظواهر هذه الألفاظ فسنجد أنها تحمل مدحاً لهذا الشهر، وإن بيان كونه أفضل من غيره هو المدح بعينه، ولكن المدح تارة يكون بعينه جزاءاً وتكريماً للشيء الممدوح كما إذا أبلى الشخص حسناً فنثني عليه ليكون هذا الثناء بمثابة جائزة له على إحسانه من دون أن يحمل مدحه معانٍ أخرى ودلالات إضافية، وأخرى يكون المدح حاملاً من المعاني ما هو أزيد من المدح كما لو ارتكز خلفه رسالة أو دعوة إلى شيء معين، كالحال في هذه الفقرات التي كان ظاهرها مدحاً لشهر الله، وباطنها متضمناً دعوةً للإهتمام بهذا الوقت.
فشهر رمضان شهر هو عند الله أفضل الشهور.
معنى ذلك أن شهر رمضان لم يكتسب هذا الفضل حديثاً، أو لأنه أصبح ظرفاً للصيام، فإن الصوم عظيم وشهر الله عظيم، ولكن العبارة تنبئ عن كونه عظيماً عند الله منذ الأزل، ويدلنا على ذلك أنه كان معظماً في العهود الماضية، أي قبل المبعث النبوي الشريف بآلاف السنين.
ولم يكتف النبي بذكر فضله مجملاً وإنما راح يؤكد على ذلك لتكون الرسالة أوضح والحجة أبلغ، ولأجل ذلك قال: أيامه أفضل الأيام، والسبب أن أيامه بعد كونها عظيمة في نفسها إلا أنها أيام صوم، ولياليه أفضل الليالي: لأنها ليالي قيام وخضوع وتهجد ودعاء ومناجاة، وساعاته أفضل الساعات، والساعات تشمل الأيام والليالي، وكأن النبي يريد أن يقول لنا أيها الناس لا تضيعوا هذه الفرصة التي لا تأتي إلا مرة واحدة في السنة فلربما أتت السنة الثانية ونحن في عالم آخر أو في الدنيا ولكننا عاجزون عن فعل أي شيء بسبب بعض العوامل المانعة من العمل لعجز ومرض وضعف ونحو ذلك.
الشيخ علي فقيه



